محمد جواد مغنية
439
في ظلال الصحيفة السجادية
فيه ، أعطيت كلّا منهما ما لم يجب له ، وتفضّلت على كلّ منهما بما يقصر عمله عنه . ولو كافأت المطيع على ما أنت تولّيته . . . لأوشك أن يفقد ثوابك ، وأن تزول عنه نعمتك ؛ ولكنّك بكرمك جازيته على المدّة القصيرة الفانية بالمدّة الطّويلة الخالدة ، وعلى الغاية القريبة الزّائلة بالغاية المديدة الباقية . ( فسبحانك ! ما أبين كرمك . . . ) اللّه واسع كريم ، لا يبالي كم أعطى ، ولمن أعطى مطيعا كان أم عاصيا ( تشكر للمطيع ما أنت تولّيته له ) تجزي على الحسنة - وهي منك بأضعافها ، وتعطي على العمل القليل في أمد قصير نعيما قائما ، وملكا في الآخرة دائما . لماذا أملى سبحانه ، وأمهل ؟ ( وتملي للعاصي فيما تملك معاجلته . . . ) اللّه سبحانه يمهل العاصي حتّى كأنّه يهمله ، ولو شاء لأخذه على الفور أخذ عزيز جبار . وذلك لأمور ثلاثة : أولا : إنّما يعجل من يخاف الفوت . ثانيا : عسى أن يرجع إلى رشده ، ويؤوب . ثالثا : لتنقطع جميع أعذاره . وتكون الحجّة عليه أكمل ، وأبلغ ( أعطيت كلّا منهما ما لم يجب له ) ضمير التّثنية للمطيع ، والعاصي ، والمعنى أنّه تعالى شكر المطيع ، وأمهل العاصي تفضلا منه ، وكرما ، وإلا فما لهذا حقّ في الإمهال ، ولا لذاك فرض من الثّواب ، ( ولو كافأت المطيع على ما أنت تولّيته . . . ) لا يسوغ للمطيع أن يطلب الأجر ، والمكافأة على طاعته ، لأنّه ما فعلها إلا بالقدرة الّتي هي من عند اللّه